محمد بن جرير الطبري

461

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أهل التأويل في قوله : " أحلت لكم بهيمة الأنعام " ، من أنها الأنعام وأجنَّتها وسخالها ، وعلى دلالة ظاهر التنزيل = قولُ من قال : معنى ذلك : أوفوا بالعقود ، غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم ، فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم ، إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم ، وما أهل لغير الله به . وذلك أن قوله : " إلا ما يتلى عليكم " ، لو كان معناه : " إلا الصيد " ، لقيل : " إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه " . وفي ترك الله وَصْلَ قوله : " إلا ما يتلى عليكم " بما ذكرت ، وإظهار ذكر الصيد في قوله : " غير محلي الصيد " ، أوضحُ الدليل على أن قوله : " إلا ما يتلى عليكم " ، خَبَرٌ متناهية قصته ، وأن معنى قوله : " غير محلي الصيد " ، منفصل منه . وكذلك لو كان قوله : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) ، مقصودًا به قصد الوحش ، لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله : " غير محلي الصيد " وَجْهٌ ، وقد مضى ذكره قبل ، ولقيل : " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم " . وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله : " غير محلي الصيد " ، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك . * * * فإن قال قائل : فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه ؟ قيل : ذلك من فعلها ضرورة شعر ، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم . وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته ، أولى = ما وُجد إلى ذلك سبيل = من صرفه إلى غير ذلك . * * * قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذًا : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ ، لا محلين الصيد في حرمكم ، ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها ، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم . * * *